|
المجتمعات الجادة هي
الباحثة عن آليات
متجددة تلك التي تحقق
لشعوبها ومجتمعاتها
مكانات متقدمة على
صعيد التنمية الشاملة
، هي تلك القادرة على
إتخاد سياسات
إستراتيجية متطورة
ومتوازنة مستمرة
لتطوير القدرات
المادية والبشرية ،
إذن هي تلك المجتمعات
التي لا يصيبها
الإعياء ولا تراهن
على مستقبل أجيالها
فلا تستكين تحت أي
ظروف لمعوقات التقدم
ولا تجد منظوماتها
الإدارية والقانونية
أية غضاضة في محاربة
الفساد المالي
والإداري على سبيل
المثال ، ولا تتراجع
أبداً في القصاص
ومحاسبة كل من يحاول
المساس بالمصالح
العامة والعليا في
المجتمع ، ولا تفقد
مخيلتها فزاعة
التفكير والإبداع .
ما يميز الوضع العام
في ليبيا في هذا
الإطار أن الأفكار
الجماهيرية جعلت
المواطن قادراً على
إجهار الحقائق دون
خوف ومن خلال مختلف
الوسائل الإعلامية ،
فلا يراوده إلا
التفكير في التقدم
وتطوير آليات اقتصاده
ومجتمعة وفق نمادجة
الجماهيرية المبدعة
لكنه في مقابل ذلك
ومن ذات المنطق هناك
بعضاً من الحقائق لم
يعد بالإمكان تجاوزها
أو المراهنة على
اختفاءها دون التصدي
لها بشجاعة تكمن في
تنامي حدة الفساد
المالي والإداري في
العديد من القطاعات
والمؤسسات العامة ،
سبب هذا الفساد
مشكلات جوهرية وعميقة
في المجتمع ، جعلت من
الخطط والبرامج
التنموية الطموحة
المرتبطة في مجملها
بالبنية التحتية خاصة
تلك التي تم التعاقد
عليها منذ أكثر من
سنتين أشبه بفقاقيع
الصابون ما تكاد ان
تظهر حتى تختفي فلم
يظهر لها أية أثار
إيجابية حتى الأن ،
بل على العكس فقد
تعرضت مخصصاتها التي
بلغت أكثر من (40)
مليار دينار للسرقة
والتعدي عليها بحسب
التقارير الرقابية
على عكس مما ينتظره
المواطن مما ساهم
"مبدئياً" في إرباك
المؤشرات الاقتصادية
الأساسية والتشكيك في
مصداقية ما تم انجازه
وما سيتم ، فالبرامج
والمخططات التنموية
لا بد وأن تحدث
مؤشرات اقتصادية
واجتماعية ايجابية
حتى أثناء المراحل
الأولى لتنفيذها خاصة
على مستوى كبح اندفاع
مستويات الأسعار
للسلع الأساسية وخلق
حالة من الاستقرار
الاقتصادي إذا كانت
تحمل قدراً من
المصداقية ، فعلى
الأقل لن تحدث مؤشرات
سلبية ، لكن ما تحقق
فعلياً حتى الأن
إحداث مؤشرات سلبية
للغاية خاصة على
مستوى ضعف الدخل
الحقيقي وارتفاع
الأسعار الذي دخل
مرحلة التضخم ، وضعف
معدلات النمو في
القطاعات الأساسية ،
فلم تتأثر إيجابياً
حتى الأن المؤشرات
الاقتصادية الأساسية
من وراء مخصصات
التنمية الاقتصادية
والاجتماعية ، ولم
تحدث برامج التحول
خاصة المتعلقة بتشغيل
الشباب التطورات
الحقيقية التي كان
يؤمل الوصول إليها في
خلق جيل منتج يعتمد
على جهده في إشباع
حاجاته ، فلازالت
معدلات البطالة
الاحتكاكية والمقنعة
على وجه الخصوص تشهد
ارتفاعا ، وإن
المخططات المتعلقة
بتنظيم العمل
والعمالة لم تكن
حقيقية وعلمية بالقدر
المناسب لكي تحقق بعض
من الأفاق ومجالات
العمل الجديدة الجادة
لقطاع الشباب على وجه
التحديد ، في مقابل
ذلك فاللذين سرقوا
وتعدوا على المال
العام واستغلوا
وظائفهم لصالح
مكاسبهم ومنافعهم
الشخصية في بعض
القطاعات العامة لم
يتم محاسبتهم أو حتى
إعفاءهم من وظائفهم
العامة بالرغم من
تحديد وإثبات هذه
التجاوزات ضدهم ،
فاستمروا يتقلبون
ويتناوبون على إدارة
هذه القطاعات
والمؤسسات لفترات
تجاوزت العشرون سنة
للعديد من منهم على
الرغم من القرارات
الشعبية العديدة
والملاحظات الرقابية
المتعددة المطالبة
بالمحاسبة والإقصاء ،
بل العديد من اللجان
الشعبية تجاهلت أو
استبدلت العديد من
قرارات المؤتمرات
الشعبية حول القضايا
الأساسية على سبيل
المثال لا الحصر
تجاهلت قرار الإبقاء
على نظام الدعم
السلعي لحوالي (12)
فئه سلعية وتطوير
آليات الإقراض
الصناعي والإسكاني
التي بقت تمثل صلب
ومركز التجاوزات
والفساد المالي
والاهتمام بالقطاعات
السيادية كالبنية
التحتية والصحة وغير
ذلك مثل البحث في
عوامل تحسين الدخول
والتأثير في الأسعار
للسلع الأساسية ، رغم
هذه القرارات تكاد
الان تختفي السلع
المدعومة بعد الإلغاء
التدريجي لنظام الدعم
السلعي فارتفعت
الأسعار على أثرها
لهذه السلع بمعدل
مابين (70 - 150 %)
وحوالي (400%) للسلع
الأساسية المدعومة
خلال (5) سنوات ماضية
ورغم إنفاق حوالي
(17) مليار دينار على
الإقراض الإسكاني
والصناعي أنه لم يشهد
قطاع الإسكان تحسناً
فعلياً ومؤثراً حتى
الان فعلى العكس من
ذلك فقد زاد الطلب
على السكن بمعدلات
كبيرة عقب عمليات
الهدم التي كانت خطوه
جريئة ولكنها مفاجئة
دون أن يسبقها إنجاز
لقدر معين من المساكن
مما جعل ثمن الشقة
المتوسطة يصل (120)
ألف دينار في الوقت
الذي كانت فيه قبل
سنتين أو ثلاث ليس
أكثر من (40) ألف
دينار ومازالت تشهد
ارتفاعا لم يعد
مقبولاً ولا منطقيا،
أما الإنتاج المحلي
للسلع الصناعية
الناجم عن الإقراض
الصناعي فقد تحسن
قليلاً في بعض
الصناعات ولكنه كان
أقل بكثير مما كان
متوقع ،
وأن معدلات النمو
الضعيفة المتحققة لم
تكن مستقرة أو
متوازنة
في الأساس ولم تتحقق
المضاعفات
الاستثمارية المناسبة
لمخصصات الاستثمار
التي تعاني من ضعف
غير متوقع في مخططات
ومجالات استثمارها
محلياً وخارجياً
وبأساليب لا تستند
إلي معايير الاستثمار
الاقتصادي ، وتعاني
القطاعات الخدمية
بصفة عامة من تدهور
منذ زمن قاعدياً
وبمعدلات مخيفة جعلت
المواطن يفقد الثقة
في أية تطورات في مثل
هذه القطاعات حتى تلك
التي يمكن اعتبارها
مثلاً يهتدي عندما
كانت نموذجاً في
السابق في الوقت الذي
ارتفعت فيه نسب
البطالة إلى أكثر من
(18%) في صفوف الشباب
وخريجي الجامعات
ومعاهد المعلمين
والمعلمات و مراكز
التدريب الفني
والتقني التي تكاد
ان تختفي هي الأخرى
بسبب الضعف الشديد في
وسائل التدريب
والتطوير.
من مثل هذه الوقائع
وغيرها التي باتت
مصدر خطر أساسي على
الاقتصاد الوطني
والمصالح القومية
والوطنية العليا فإن
ما يحتاجه الاقتصاد
وجود مخططات
إستراتيجية استثمارية
خاصة في مجالات
الصناعات النفطية
والمعدنية لامتصاص
الفوائض المالية تهدف
هذه المخططات إلي
إحلال العائدات
الصناعية محل
العائدات النفطية
تدريجياً في تمويل
الميزانيات بالحصول
على ميزة تنافسية
لبعض السلع حتى يمكن
تصديرها فليبيا يمكن
ان تكون بلداً
صناعياً بحسب الموارد
الطبيعية المتاحة
والموارد المالية
النفطية التي أربكت
الاقتصاد الوطني
طويلاً عندما تم
الاعتماد عليها كليا
، ففي هذا الجانب فإن
الاقتصاد الوطني
يحتاج بشكل ملح إلى
وضع مخططات متوسطة
وطويلة المدى تعمل
على تصنيع خام النفط
بحيث تكون هناك نسبة
متزايدة من خام النفط
تدخل مجال التصنيع
محلياً بشكل تدريجي
وهذا يعني قيام مؤسسة
أو مؤسسات لصناعة
النفط بمشاركة القطاع
الاهلي والتشاركي إلي
جانب المؤسسة الحالية
التي تقوم بتصدير خام
النفط ، كذلك
مايحتاجة الاقتصاد
الليبي الاهتمام
بالشرائح الاجتماعية
والأسر الفقيرة من
خلال إيجاد منظومة
اجتماعية فعالة تحمي
المواطن الليبي
والأسر الليبية من
الفقر والفاقة وان
إستراتيجية هذه
الحماية ترتكز على
أهمية إيجاد مصادر
حقيقية للدخل وتقديس
الملكية الفردية
والشخصية التي وجب
اعتبارها حق مقدس
مرتبط بالمواطنة إلى
جانب توسيع الشرائح
التي ستستفيد من
برنامج توزيع الثروة
التي هي احد الأفكار
ذات الطابع الأهم في
حياة المواطن الليبي
ذلك باعتبار الثروة
العامة هي ملك لكل
أفراد المجتمع ،
وبموازاة ذلك وجب
تطبيق القانون في حق
كل من استغل وظيفته
العامة وتعدي على
المال العام أو تهاون
في تنفيذ الخطط
الاقتصادية
والاجتماعية الطموحة
التي صدرت تحت مسميات
عديدة منها ما تعارف
عليه بليبيا الغد
التي اعتبرت احد
الخطوات التحفيزية في
إطار تطوير المجتمع
الليبي اقتصادياً
وبشرياً ، فما لم تكن
هناك عقوبات وقصاص من
الذين افسدوا فإنه
سيظهر جيل جديد من
الفاسدين داخل أي
نظام أو فكره جديدة
مهما كانت نجاعتها
لان تطبيق القانون
والقصاص هو عماد
أساسي لأي نظام
اقتصادي خاصة في
الدول التي تعتمد في
دخلها على بيع موارد
طبيعية عامة كالنفط .
فعلاً لقد فشل "دعاة
الإصلاح" عندما أعطيت
لهم فرصاً عديدة
وثمينة وتوفرت لهم
الإمكانيات المادية
والمعنوية ، ولكن
البعض أستغل مصطلح "
الإصلاح " لتحقيق
مصالحهم الشخصية
محاولين في ذلك إلحاق
الضرر بأهداف الثورة
العظيمة وإذلال
المواطن وسلب حقوقه
باسم الإصلاح
والتطور! عندما تحول
مصطلح "الإصلاح" إلى
معول للهدم والتشكيك
في البرامج
الإستراتيجية الطموحة
، كان من الخطاء
التهاون مع الفساد
والمفسدين لأنه كاد
الان ان يتحول إلي
ثقافة وسلوك مباح
للتعدي على
الإمكانيات العامة
واعتبارها "مال سايب"
فالمواطن الذي أصبح
يعي كيف استطاع البعض
بحكم الوظيفة العامة
استغلالها لصالحة
وأزلامه تشكلت لدية
نفس السلوكيات –
كيف لا يحق لي سرقة
قوت يومي ! وأنا
الجائع المحتاج في
الوقت الذي أرى فيه
ظهور طبقة غنية لا
تتوانى في سرقة
المزيد من ثرواتنا
العامة – هكذا لسان
حال المواطن يردد ! .
نعي تماماً أن مفهوم
الثورة في الفكر
الاجتماعي هي أشمل من
مصطلح "الإصلاح"
باعتبارها تعني علم
تغيير المجتمع لا
تقتصر أو تقف عند
إصلاح ... مجرد
الإصلاح .
إن النظام الاقتصادي
والسياسي في ليبيا
يؤمن بأن الإفراد في
المجتمع هم متساوون
في الحقوق والواجبات
وان ثقافة الحرية
والتطور لا تعتمد على
النقد فقط والوقوف
عنده أو إلحاق الضرر
بالذين اخطئوا فقط بل
ان النقد يعني في
كليته إيجاد أساليب
جديدة قادرة على
معالجة الأخطاء ،
فالاعتراف بالأخطاء
والعمل على الخروج
منها يبقى الهدف
الأساسي للمجتمع
الليبي ، وهذا يتطلب
بالاساس أهمية تحقيق
معدلات مستقرة
ومتوازنة للنمو خاصة
في المجال الصناعي
فالمؤشرات المتحققة
حتى الان الضعيفة في
الاصل ليست وليدة
عمليات أقتصادية
واستثمارية مستقرة
انما نتيجة لعمليات
قصرية وسريعة لا تقوم
على الدراسات العلمية
المناسبة ذات الجدوى
الاقتصادية
والاجتماعية .
إن الاقتصاد الليبي
كاقتصاد ريعي لا
تتناسب معه إلا
عمليات إدارة ذاتية
من طرف المواطن ذاته
الذي هو الهدف
الأساسي بالتنمية ،
وباعتباره مالك هذه
الثروة .. ثروة النفط
وعليه ان يديرها
بنفسه في إطار تسيير
ذاتي للمجتمع وفي
إطار الدولة التي
سترعى المصالح العليا
الخارجية لهذا
المجتمع . |