|
الدولة موضع سؤال ؟ إصـلاح الـدولة : وفـق مـاذا؟(1)
من حيث المبدأ ،
إصلاح الدولة آمر لا اعتراض عليه ولا شبهة فيه ،
ذلك لأن الدولة ليست الهدف ، وإنما هي وسيلة ، ولا
حرج في إصلاح الوسيلة ، إذا تبين أنها لا تحقق
الهدف منها ، أو أنها ، لظروف ما ، حادث عنه ، لكن
هذا يتطلب أولا تحديد الهدف الذي تخدمه الدولة ،
وطبيعة هذه الدولة.
تحديد طبيعة الدولة ، المطلوب إصلاحها ، والهدف
منها ، يحدد ليس فقط شكل الدولة ، وإنما أيضاً
الإصلاح المطلوب .
كل إصلاح جاد ، لكي يكون مجديا ، لا يجب أن يجرى
عميانيا ، ولا ارتجاليا ، أنه يتطلب أولا تحديد
الهدف الذي يسعى نحوه الإصلاح ، والاتفاق
الاجتماعي عليه ، ولكي يكون شرعياً .
الدولة ليست هدفاً في حد ذاتها ، أنها وسيلة نحو
هدف ، الدولة كما أعرفها ، هي ضبط وتقنين السلطان
، الذي هو نتاج اجتماعي ، والذي يقتضي الديمقراطية
. وإذن الدولة هي وسيلة هذا التقنين ، وهذا الضبط
، والذي بدونه ،يمكن أن يوجد سلطان مطلق يرتد
سلباً على مصدره الاجتماعي .
ولما كانت الدولة وسيلة نحو هدف ، تخدم هدفا ،
وإذا تبين ، في مرحلة ما من التطور الاجتماعي، أن
شكلا من أشكال الدولة ، لا يحقق الهدف المطلوب ،
أو أنه يحيد عن الهدف المطلوب، فإن إصلاح الدولة
هذه يتبدى أمراً ضروريا ولكن هذا الإصلاح يجب أن
يجرى وفق الهدف المطلوب اجتماعيا .
الإصلاح هكذا آمر ضروري ، وإذا تبدى شكل الدولة
القائمة ، إما إنه لا يحقق الهدف ، كليا ، أو
جزئيا ، وإما أنه ، لعوامل معينة ، حاد عن الهدف ،
الإصلاح عندئذ يعني تصويب الدولة انطلاقا من
الهدف.
منطقيا ، عندئذ ، قبل التفكير والشروع في إصلاح
الدولة ، يجب تحديد الهدف منها بدقة ، ذلك لأن
تحديد الهدف الاجتماعي من الدولة ضروري جداً في
عملية إصلاح الدولة ، فهو يحدد أيضا طبيعة الدولة
المطلوبة ومن ثم دورها.
هكذا لا يمكن إصلاح الدولة خارج الديمقراطية ، هذا
يجعل ، منذ البداية ، متناقضة مع كونها أداة ضبط
وتقنين السلطان الاجتماعي ، من قبل المجتمع ، وإذن
متناقضة مع الديمقراطية، مما يطرح عاجلا ، أو أجلا
ضرورة إصلاحها مجددا .
إذا ما شرع في إصلاح الدولة ، دون تحديد دقيق
للهدف الأساس من الدولة ، والذي يخدد أيضا طبيعتها
وشكلها ، فإن ثمة مخاطر تمكن في استعارة عناصر ،
في هذا الإصلاح ، تنتمي لدولة أخرى في مجتمعات
أخرى ، وعندئذ هذا لا يرتب فقط تناقضا مع الهدف ،
حتى وإن لم يحدد بدقة، وإنما تخاطر أيضاً بأن
سلبيات الإصلاح تفوق السلبيات التي استعدت
الإصلاح.
ربما من ناقل القول ، التأكيد على أن كل دولة ، في
كل مجتمع ، تجسد عقيدة المجتمع السياسية
والاقتصادية والاجتماعية ، والقيم السائدة فيه
مهمتها إعطاء محتوى لقيم الخير والحق والعدالة ،
السائدة في المجتمع . والتي تختلف باختلاف
المجتمعات . عندئذ استعارة عناصر مستمدة من شكل
دولة ، في مجتمع آخر ، يجعل التناقض صريحاً بين
مطلب الإصلاح وما يقضي إليه الإصلاح ، وبين القيم
السائدة ، في المجتمع حيث يجرى إصلاح الدولة .
ليس هناك دولة محايدة ، بالنسبة لمجتمعها ، وقيمه
العليا ، ولا يمكن هكذا استعارة ، قيم المجتمع حيث
هي دولة .. الدولة هكذا ليست مجرد أداة محايدة ،
يمكن استعارتها أو استيرادها كما نستورد سيارة .أو
هاتف أو آلة ما .. الخ كل دولة أوروبية أو أمريكية
، وبناء دولة منها ، دون استعارة نظامها الاقتصادي
والاجتماعي ، وسلمها القيمي ، وأيضا طريقة القيام
بمهامها ، دولة الديمقراطية الليبرالية لا يمكن
نزعها من النظام الاجتماعي والاقتصادي للديمقراطية
الليبرالية ، واستخدامها في مجتمع آخر ، يختلف
جذريا في نظامه الاجتماعي وسلمه القيمي .
إذا حدث هذا ، فإنه لا يكون إصلاحا بل تقريبا .
لقد عنينا هذا التغريب ، عندما استوردنا دولة
جاهزة ، كما نستورد المباني الجاهزة ، على طريقة
مفتاح في اليد ، هذه الدولة المستوردة ، ظلت غريبة
عنا ، لا نتعرف فيها على أنفسنا ، وربما يرجع
إليها هذا العداء الشديد للدولة....
إن علينا أن نصنع دولتنا ....
الدولة ، يجب أن تكون نتاج حاجة الناس ، وتطورهم
الاجتماعي ، تخدم الهدف منها ، في إطار قيم
المجتمع .
هذه الدولة ، في مجتمع يطالب الديمقراطية المباشرة
، ويرفض التفويض والإنابة ، ويتمسك بالعدالة
الاجتماعية ، لا بد وأن تكون مختلفة جذريا ، عن
الدولة في مجتمعات أخرى ، هذا الاختلاف ليس في
التسميات فقط وإنما أيضا في طبيعة الدولة ، و
وظائفها ، ودورها وفي مفاهيم مثل القطاعات
السياسية والخدمية ...الخ في المجتمعات الرأسمالية
يمكن الاستغناء عن الدولة ، او على الأقل حصرها في
أضيق نطاق وإحلال السوق محلها ، هكذا السوق ينظم
العلاقات بين الناس ، بينما في مجتمع يعطي
الأولوية للعدالة ، ولا يمكن الاستغناء عن الدولة
، ولا تقليص دورها ، وهكذا بالضبط ما ينطق منه حل
المشكلة الديمقراطية ، في الكتاب الأخضر ، حيث إنه
في مجتمع يعطي الأولوية للعدالة ، لا يمكن تقليص
دورها ، إذن يجب سيطرة المجتمع عليها .
في نظام الديمقراطية المباشرة .
في المجتمعات حيث الدولة مقلصة لأنها تخشى سيطرتها
، ولا تدرك سبيلا لإخضاعها ، هذا الخطر غير وارد
في نظام الديمقراطية المباشرة.
من المعروف ا، الديمقراطية ، أيا كانت تتسم بضعف
الفعالية ، لكن طلب الفاعلية القصوى ، يمكن أن
يقود إلى الدكتاتورية ، وإذن يجب أن يكون الاختيار
واضحا ، ونحن نشرع في إصلاح الدولة ، هل نريد
الديمقراطية حتى وإن كانت ضعيفة الفاعلية ، بسبب
أنها ديمقراطية ، أم نريد الفعالية على حساب
الديمقراطية.؟
لست بهذا أبرر ضعف الفعالية ولا أدعي أنه قدر ولا
أدعو إلى التسليم به ، وعد تفعيل الديمقراطية ،
ولكن معرفة وتحديد الهدف من ناحية نتعرف على عيوب
ما هو قائم ، وأسباب ضعف فعاليته ، كما يحدد لنا
ما هو المطلوب إصلاحه ، وإذا لم نفعل تخاطر بأن
الإصلاح ، حالما يتقرر وينفذ ونصطدم به في واقع
الحياة ، يطرح مجددا ضرورة الإصلاح ، في حلقة
مفرغة .
في مسألة إصلاح الدولة لم أسمع إشارة إلى
المؤتمرات الشعبية ، مع أنها العنصر الأساسي في
دولتنا ، فهل يعني هذا أنها خارج الدولة ؟ أو أن
الآمر يتعلق فقط بإصلاح الجهاز الإداري والتنفيذي
؟ وهل إصلاح الجهاز الإداري والتنفيذي لإيطال
بالضرورة المؤتمرات الشعبية ؟وهل يمكن أن يعهد
بإصلاح الجهاز الإداري والتنفيذي للجهاز الإداري
والتنفيذي نفسه ؟ والذي أداؤه موضوع شكوى الناس ،
ويقصده الإصلاح ؟ إلا تخاطر هكذا بأن الجهاز
الإداري ، والتنفيذي يقرر إصلاحات على مقاسه ،
وليس وفق مهامه في الدولة الجماهيرية؟
الخلط هكذا واضح ، وهذه الأسئلة لا جواب بعد عليها
، تارة أسمع عن لجان إعادة هيكلة الجهاز التنفيذي
والإداري ، وهذا يستبعد التشريعي – المؤتمرات
الشعبية ، و تارة أسمع عن إعادة هيكلة الدولة ،
لكن هذا يتضمن بالضرورة ، التشريعي ولا يمكن أن
يعهد به للجان ،ولا أن يتخذ فيه قرار إلا صاحب
السيادة ، إصلاح الدولة مسألة أهم وأخضر من أن
تترك للجان ، هذا يجعل ما تنتهي ليه مطعونا في
شريعته وإنما يجب أن يكون نتاج اتفاق اجتماعي ،
واسع بقدر ما هو عميق ، أو على الأقل ، يجب أن
يطرح ما تنتهي إليه اللجان على المؤتمرات الشعبية
، باعتبارها المشرع الوحيد.
لقد أشرت ، فيما سبق إلى أن مفاهيم كثيرة يختلف
محتواها باختلاف النظم الاجتماعية والاقتصادية ،
وأشكال الدول ، مثلا تعريف القطاعات السيادية ،
كما شاع منذ آدم سميت وكتابه ثورة الأمم ، وهو
صالح في شكل دولة الديمقراطية الليبرالية ،
المنفصلة والمتميزة عن أمتها ، التي أطلق عليه
مؤرخو الاقتصاد ، الدولة جندرمة ، أو الدولة بوليس
، أو تادبا الدولة غفير لأن دورها انحصر في كفالة
الأمن بشقيه الداخلي والخارجي ، وهذا ينطلق من
مفهوم للأمن ضيق جدا ، يجعله محصورا في القمع الذي
يقوم به البوليس – أمن داخلي – والجيش – أمن خارجي
كما يتطلب هذا الشكل الانتخابات والنيابة في إدارة
دولة الحد الأدنى هذا أو دولة الأمن ، باعتبار أن
الأمن هو الشيء العمومي المشترك بين أفراد المجتمع
، لكن في مجتمع مختلف في عقيدته ، مثل هذا التعريف
للأمن ، ليس صالحا ، مثلا البوليس مهمته قمع
الأضطرابات والجريمة ، وكفالة أمن الدولة داخلياً
، لكن عندما نسال لماذا الأضطرابات ؟ ولماذا
الجريمة ؟ ولماذا المساس بأمن الدولة ؟ سوف نجد ،
وآدم سميت يعترف بهذا إن الجهل والأمية أشد خطراً
على أمن الدولة وأمن المجتمع ، من الجريمة
والاضطرابات بل أن الجهل والأمية يلعبان دورا
مهماً في تفشي الجريمة وفي شيوع الأضطرابات
والإخلال بالأمن ، وحتى المساس بأمن الدولة ،
والوحدة الوطنية . إن اضطرا بات الضواحي في بلدان
أوروبية يعطينا برهانا ، على ما يفعله المهمشون ..
هكذا الجهل والأمية ، ورد يفهما الفقر ، وتفكك
النسيج الوطني ، نتاجهما ، أخطر على الدولة مما
تعد له البوليس لقمعه . وحيث إن قمع الجهل والأمية
، والحفاظ على التماسك الوطني والاجتماعي ، لا
يمكن أن يحقق بالبوليس والسجون ، وإنما بالتعليم
وترقية الوعي الوطني ، كما أن للتعليم دور مهم في
رفع المستوى الاقتصادي للمواطنين ، وبالتالي
المساهمة في مكافحة الفقر. الذي له آثار إيجابية
في كفالة أمن الدولة كما لا يجب أن ننسى ، أن
للبوليس وللسجون ، ولكل أدوات القمع ، تكاليف ،
تزداد كلما تدني مستوى المواطنين الاقتصادي
والثقافي ، حالة الجهل والأمية سوف تزيد جداً من
هذه التكاليف ، مما يجعل تكاليف التعليم لا تقارن
بتكاليف مكافحة ما يترتب عن الجهل والأمية خاصة
فيما يتعلق بالوحدة الوطنية ، المدرسة الجمهورية
العمومية ، في فرنسا ، صنعت فرنسا الجمهورية .
هكذا قد لا نبالغ إذا قلنا إن تكاليف الأمن تزداد
طرداً مع انتشار الجهل والأمية ، عندئذ لا يمكن
اعتبار التعليم قطاعا ليس سياديا ، على العكس إنه
أخطر وأهم القطاعات السيادية إنه القطاع الذي يصنع
شعب المستقبل ، وليس فقط الذي يحافظ على أمن
الحاضر كالبوليس . وهكذا أيضا الصحة ، أن تفشي
الأمراض والأوبئة أخطر على الدولة من غزو خارجي
تعد له الجيوش ، كما أن الجنود ، وهكذا البوليس –
المكلفون بالأمن الخارجي إذا لم يكونوا أصحاء وإذا
لم يكونوا أمنين مطمئنين على أولادهم ، فإنهم لا
يستطيعون إنجاز مهامهم . أحد كبار الجنرالات ، في
فرنسا ، ذهب حتى اعتبر أن النصر في الحرب يتحدد
على المقاعد الدراسة .
في دولة الحد الأدنى ، الدولة جندرمة ، مفهومها
للأمن ينحصر في أمن الدولة ، بينما تترك أمن الناس
للسوق ، حيث الحرس الخاص وشركات الأمن الخاصة ،
تبيع الأمن حسب سعر السوق ، هذا المفهوم للأمن لا
يمكن الأخذ به في دولة مختلفة ، حيث مفهومها للأمن
يختلف جذريا عنه في دولة الحد الأدنى أو الدولة
جندرمة كما . تسمى الغذاء الصحة أمن التعليم أمن ،
فرص العمل أمن الأمن البوليسي ليس إلا جزءا بسيطا
، رغم أهميته من أمن أعم وأشمل ، وهذا يعني أن
مفهوم القطاعات السيادية ، وغير السيادية ، يجب أن
يختلف أيضا ..
في دولة الديمقراطية المبشرة ، القطاعات السيادية
هي ما يمارس فيه السيادة ، وما يخص كل المجتمع ،
ولا يستثنى منه أحد ، وما يتطلب تمويلا سياديا ،
أما القطاعات غير السيادية ، فهي تلك التي لا تخص
إلا القائمين بها ، أو المنتفعين منها ، أي فئة من
المجتمع وليس كل المجتمع . وعلى كل حال تحديد
القطاعات السيادية وغير السيادية ، هو قرار سيادي
لا يمكن أن يتخذ إلا من السيد.
هكذا لا جدال في أن إصلاح الدولة أمر لازم ، عندما
تقتصر عن تحقيق الهدف المطلوب منها، لكن هذا
الإصلاح يشترط :
- تحديد دقيق لما هو الهدف من الدولة ، إذ بناء
على هذا تتحدد طبيعة الدولة ، وما هو مطلوب إصلاحه
، بدون هذا لا يكون إصلاح الدولة وإنما انقلاب على
الدولة .
- تحديد واضح لمفاهيم القطاع السيادي والقطاع
الغير السيادي ، طبعا وفق الهدف من الدولة كما
يحدده السيد.
مبدأ الدولة كل شيء ، عرفنا مسائه ، لكن الدولة لا
شيء ستكون كارثة .
- تحديد دقيق لما هو القطاع الخاص ، وما هو القطاع
الأهلي ، لأن الخلط بينهما يجعل كل تقييم لهما
مستحيلا ، إضافة إلى مخاطرات القطاع الخاص يستخدم
القطاع الأهلي سترا
|
----------------------------------------------------------------------------------------------
أ.
د. رجب أبودبوس |
|