|
في ذكرى ثورة ناصر المجيدة
|
تمر علينا هذه الأيام ذكرى ثورة ناصر
المجيدة، التي بعثت الوعي القومي في
جماهير الأمة العربية. فقد كانت
الأمــــة
– قبلها - تئن تحت كلاكل المستعمرين
، فضلا عن جريمة الاغتصاب الصهيوني
لفلسطين .
إن اشتراك الشاب جمال عبد الناصر في
حرب فلسطين عام 1948 ، ومعاناته في
حصار الفالوجا ، عمقا الوعي القومي
لديه ، وجعلاه أكثر إدراكاً للدور
الذي يفترض أن تقوم به مصر وهي الدولة
العربية الأكبر والتي تحتل مركز الوطن
العربي .
هكذا كانت الانطلاقة من مصر ، حيث
أنجز الإجلاء ، أممت قناة السويس ،
بني السد العالي ، أنشئ جيشاً قوياً ،
أسست الصناعات الثقيلة المدنية
والعسكرية ، تحقق الإصلاح
الزراعي ، ألغي الإقطاع ووزعت الأراضي
على المنتجين ، وسعت المشاركة الشعبية
في السلطان ، طور التعليم ، تقدمت
المرأة لتشارك أخيها الرجل في البناء
والتشييد ...
ولم تبق ثورة ناصر حبيسة مصر فحسب،
وإنما امتد فعلها ليشمل الدائرة
العربية والدائرة الإفريقية حتى طال
الدائرة الإسلامية، ثم العالم.
فعلى المستوى العربي كان عبد الناصر
يمثل القيادة القومية للجماهير
العربية في مسيرة تحررها من الاستعمار
والرجعية ، فقد كان خير سند لحركات
التحرير في المغرب العربي ، وخاض
معركة في اليمن تعزيزاً لثورتها ،
وعزز ثورة العراق وثورة سوريا وثورة
السودان ، ثم ساند ثورة الفاتح العظيم
وتلاحم معها ورأى فيها امتداداً
لثورته واعتبر قيادتها خلفاً لقيادته.
والمؤكد أن الدور القومي التحرري
الأهم لعبد الناصر ، هو تلاحمه مع
الثورة الفلسطينية التي اعتبرها قضيته
المركزية ، فاحتضن انطلاقتها ودرب
ثوارها ودعم جهادها ، ودافع عنها في
المنظمات والمؤتمرات والمحافل الدولية
.
نتيجة لكل ذلك تم العدوان الثلاثي ضد
مصر سنة 1956 م ، والذي شاركت فيها
بريطانيا وفرنسا والعدو الصهيوني ،
وثم عدوان 1967 م.
وفي القارة الأفريقية التي اعتبرها
المستعمر حديقة خلفية له ، أسس عبد
الناصر حركات التحرير ودعمها ماديا
ومعنويا وبشريا ،وأنشأ صحبة الآباء
المؤسسين منظمة الوحدة الإفريقية
لتكون إطاراً مؤسساتياً يجمع الأفارقة
ليسيروا قدماً في اتجاه الوحدة .
أما إسلامياً ، فقد قدمت ثورة عبد
الناصر الإسلام على حقيقته ، خالياً
مما علق به من خرافات ، كما ساندت
حركات التحرير في العالم الإسلامي .
وعلى مستوى العالم كان عبد الناصر أحد
الفرسان الخمسة الذين أسسوا حركة عدم
الانحياز ، والتي مثلت إطاراً جمع
الدول النامية في مواجهة القطبين
المتصارعين أثناء الحرب الباردة .
وساند ناصر حركات التحرر العالمية من
آسيا إلى أمريكا اللاتينية .
إن كل هذه المعارك لم تثن عبد الناصر
عن الإعداد للمعركة الحاسمة مع العدو
الصهيوني ، فخاض حرب الاستنزاف من سنة
1967 إلى سنة 1970 ، وفي نفس الفترة
أعد لمعركة العبور والتحرير، حيث :
أعاد بناء القوات المسلحة – أعاد
تسليح الجيش – أعاد بناء القوات
الجوية – أقام غابة من الصواريخ
لحماية مصر كلها – أعد القوات المسلحة
ماديا ومعنويا لعبور القناة – نقل
الصواريخ إلى حافة القناة لحماية
العبور – حطم 60% من خط بارليف الذي
أقامه العدو على الشاطئ الشرقي للقناة
– أعد مصر كلها للحرب .
وبعد نكسة 1967 ،كان المتغير الأهم في
مسيرة تحرر الأمة العربية هو قيام
ثورة الفاتح العظيم التي " بعثت
القومية العربية من جديد في هذه
المنطقة من الأمة العربية .. " وهي "
– في حد ذاتها – تعادل تأييد الجيوش
لجبهة القتال " . لقد " قضت على كل
الأحزان .. وقضت على الخوف .. لقد قضت
.. على كل عوامل اليأس في الأمة
العربية "، كما قال الزعيم الخالد
جمال عبد الناصر .
لقد كانت ثورة الفاتح العظيم الرافد
الأهم لثورة ناصر ، فهي رافد حي متجدد
ومجدد . فالقائد معمر القذافي الذي
وصفه عبد الناصر بأنه " الأمين على
القومية العربية " ، استخلص الدروس من
التجربة الناصرية ، فطور أفكار عبد
الناصر من مبادئ عامة إلى نظرية
متكاملة تتضمن تصوراً لمجتمع أفضل .
فأداة الحكم التي طورها عبد الناصر من
هيئة التحرير إلى الاتحاد القومي إلى
الاتحاد الاشتراكي العربي ، توجها
القائد معمر القذافي بالديمقراطية
المباشرة التي تمارس من خلال
المؤتمرات الشعبية الأساسية .إذ أنه
بعد موت الزعيم الخالد جمال عبد
الناصر أقيم الاتحاد الاشتراكي العربي
في ليبيا ، والذي طور سنة 1973
بإعلان الثورة الشعبية وتشكيل اللجان
الشعبية داخله . ثم سنة 1975 انتشرت
المؤتمرات الشعبية إلى أن توجت
المسيرة في 2 مارس 1977 بإعلان قيام
سلطة الشعب ومولد أول جماهيرية في
التاريخ .
أما اقتصاديا فالبناء الاشتراكي
الإصلاحي الناصري طور في النظرية
الجماهيرية إلى اشتراكية شعبية
متكاملة القواعد ، حيث المشاركة في
الملكية والإنتاج والإدارة والجهد.
خلاصة لما تقدم ، يمكن القول أن ثورة
الفاتح العظيم وريث شرعي للثورة
الناصرية منهجاً وسلوكاً ، وهي إثراء
لها فكراً وممارسة .
فهل يدرك الناصريون ذلك فيأتون إلى
كلمة سواء قابلة للتحول إلى فعل منقض
للأمة مما هي فيه من تردٍ ؟
----------------------------------------------------------------------
أ. لطفي سالم المرزوقي .
|
|
|
|